الثعلبي
355
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وأعلم إن بكل موضع وجد ذكر كان موصولا بالله فإن ذلك صلح للماضي ، والخبر هو المستدل ، فإذا كان لغير اللّه فإنه يكون على خلاف هذا المعنى . ثم نزل في الذين أنكروا البعث اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ لا شك فيه ، واللام في قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام القسم ومعناه ، واللّه الذي لا إله إلّا هو أعلم منكم في الموت وفي أحيائكم إلى يوم القيامة . وسمّيت القيامة قيامة ، لأن الناس يقومون من قبورهم . قال اللّه تعالى يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً « 1 » وقيل : سميت قيامة لقيامهم إلى الحساب . قال اللّه تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي قولا ووعدا فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية . نزلت هذه الآية في ناس من قريش ، قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة فأسلموا فأقاموا بها ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة ، فقال بعضهم لبعض : كيف نخرج ؟ قالوا : نخرج كهيئة البدو فإن فطن بنا قلنا : خرجنا نتنزّه ، وإن غفل عنّا مضينا ، فخرجوا بهيئة المتنزهين ، حتى باعدوا من المدينة . ثم كتبوا إلى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله ، ولكنا [ اجتوينا ] المدينة ، واشتقنا إلى أرضنا . ثم إنّهم خرجوا في تجارة لهم ، على الشام ، فبلغ ذلك المسلمين ، فقال بعضهم : ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا ، وتركوا هجرتنا ، وظاهروا على عدوّنا ، فنقتلهم ونأخذ مالهم ! وقالت طائفة منهم : كيف تقتلون قوما على دينكم ، إن لم يذروا ديارهم ، وكان هذا بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين ، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها ، فبين اللّه تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم شأنهم . وقال زيد بن ثابت : نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم فرقتين فرقة تقول : نقتلهم ، وفرقة تقول : لا نقتلهم ، فنزلت فيهم هذه الآية وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة » « 3 » يعني المدينة . وقال قتادة : ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لقيهما ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقبلين إلى مكة فقال بعضهم : إنّ دماءهما وأموالهما حلال ، وقال بعضهم : لا ، [ جلّ ذلك منا ] فأنزل اللّه تعالى فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ الآية .
--> ( 1 ) سورة المعارج : 43 . ( 2 ) سورة المطفّفين : 6 . ( 3 ) مسند أحمد : 5 / 184 ، وفي بعض المصادر : خبث الحديد .